Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
TUNISIE XXI over-blog.com

Histoire moderne et contemporaine, Education, Pédagogie, Actualités politiques et socio-économiques, développement régional et Territorial,témoignage...

...وقائع يوم في حاضرة إفريقية

 

-1-

حَشِيّة في زاوية مبنى ضخم على مسافة عشرات الأمتار من أكثر شوارع العاصمة حركية ونشاطا... يمتدّ فوق الحشية غطاء متآكل يشي بآدمي مسجّى هناك في العراء بين المارة وهدير السيارات وقرقعة عربات المترو. امرأة ملقاة هناك لا تكاد تتبيّنُها تحت الغطاء... قارورة ماء وغبار وفتى صغير السنّ، هزيل البنية، شاحب اللون، زائغ النظرات، يقف عند نهاية الحشية، بين الحشية والمارّة، كمن يذبُّ عن شيء يملكه. وبين الحين والآخر يرفع الى فمه وعاء من البلاستيك الشفاف كمن يستنشق أو يشرب شيئا ما... توقف عنده ثلاثة أنفار هم الى الشيخوخة أقرب، تحدثوا معه في شأن المرأة المسجاة هناك...لم يكن ينصت إليهم ولا يعيرهم أي اهتمام... كان في عالم آخر... كان "يُكَلْفِرُ" على مرأى من الجميع... واصلوا سيرهم وهم يحوقلون ويلعنون الظروف وأشياء أخرى كثيرة... أكّد أحدهم وقد اعتاد المرور بذلك المكان بشكل يومي أن هذا المشهد متواصل منذ أيام وتساءل بمرارة: الم ينتبه الي هؤلاء أي طرف ممن تقع الشوارع تحت مسؤوليتهم؟

يتذكّر حديثا صفيقا عن المرأة في يوم عيدها العالمي.... بل وفي كل يوم...

وتعود به الذاكرة الى نصّ موجع لابن ابي الضياف يصف فيه ما حاق بسكان الأيالة التونسية سنة 1867 أو السنة الشهباء كما يسميها...

ويمضي في حال سبيله مثقلا بهمّ لا يطاق...

-2-

يدلف الى الشارع الرئيسي، فيشدّ انتباهه مشهد أجهزة التصوير المنتصبة في الممشى الرئيسي ...أحصى أربعة أوخمسة منها يقف بجوارها فتية يمسك البعض منهم مصادح...السراويل "طايحة" والشعر صقيل لمّاع في الأغلب الأعمّ والسيجارة "مركوزة" بين الشفتين أو تَشْغل إحدى اليدين في حركة يُراد لها أن تكون "مثقّفة" تليق "برجل مهمّ" يحمل مسؤولية السلطة الرابعة... كانوا يتصيدون على ما يبدو حوارات يؤثثون بها يومهم "الإعلامي"... وهو يتوجه الى معرض الكتاب المقام في المكان، يبادره أحدهم طالبا الحديث إليه فلا يلتفت إليه ويمضي في حال سبيله... كان خبيرا بهذا الصنف ممن ينسبون أنفسهم الى الإعلام...  صنف فرّخ باسم الحرية، يقتات من أعراض الناس ومآسيهم وخصوصياتهم... بعضهم لا يمتّ إلى الإعلام بصلة ولكن البطالة وانعدام الحلول وجشع بعض المؤسسات الإعلامية التي تفضّل التشغيل الهشّ دون اعتبار التكوين والكفاءة حوّلتهم الى "إعلاميين"... لقد أكدت هذه العشرية خطورة هذه الظاهرة سواء تعلق الأمر بالإعلام الوطني أو الجهوي...فالمصدح في يد غير المختص وغير المحترف سلاح مدمّر للوطن وللمجتمع... فهو هتك للأعراض حينا وقلب للحقائق أحيانا أخرى وخدمة لأغراض سياسوية غالبا بحيث أصبح الإعلام –على نبل رسالته وخطورتها- مجرّد "فهلوة" وإثارة رخيصة وتزييفا للوعي وترويجا لثقافة هجينة....

-3-

 يهمّ بعبورأحد الشوارع الخلفية مستغلا تراجع حركة السيارات، فيستوقفه شيخ قمحي البشرة قد غزا الشيب رأسه وشاربيه ويخاطبه على استحياء وبصوت خفيض لا يكاد يُسْمَع: " أنا من (...) - مشيرا الى مسقط رأسه- لا أملك ما أسدّ به رمقي...". يمكِّنُه من بعض ما يملك بما يكفي لتناول وجبة سريعة.

مطلب واحد كان كلما اعترضه في الشارع يقتل في نفسه كل بهجة أو مشروع بهجة أو حتى أوهام بهجة و"يذبحه ذبحا": طلب الأكل أو ثمن الأكل. يساعد بما توفر بشكل تلقائي ويحرص على عدم إحراج السائل ولكن تسودّ الدنيا في عينيه وتضيق، على اتساعها، حتى تصبح "عين إبرة" كما يقال ويظل يعاني ... يتمنى أحيانا لو "تموتلو لحمة" وينعدم لديه الإحساس بالآخر حتى يتخلّص مما يُلمّ به من حزن تخلّفه مثل هذه المواقف... كان قد مرّ خلال مشواره الصباحي بأسرة من بلد عربي (...) أو هكذا كانت تقدم نفسها للمارة وفقا لما هو مُسجَّل على "كرذونة" بخط أسود غليظ يضعها الرجل أمامه وتجالسه امرأة تحمل رضيعا كما مرّ بآخرين غيرهم ممن كانوا يؤثثون الأنهج المتفرّعة عن الشارع الرئيسي للعاصمة...

-4-

في حدود الثانية بعد الزوال تقريبا يقتطعَ تذكرة في قطار الضاحية ...

يتكرّم السائق على مجموعة من المسافرين المتأخّرين فيوقف القطار بعد انطلاقه ويفتح الأبواب...

يستقرّ في إحدى العربات ويأخذ مكانه واقفا مثله مثل عشرات المسافرين... يفاجئه المشهد ويستحضر الإجراءات الوقائية المنصوح بها في التوقي من الجائحة الوبائية...يضحك في سرّه بألم ومرارة وهو يلاحظ اكتظاظ العربات التي مرّ بها وندرة استعمال الكمامات الواقية وانعدام إمكانية التباعد الاجتماعي...كان يدرك أصلا ومنذ تفشّي هذه الجائحة بأن هذه التوصيات لا معنى لها ولا أثر في ظل الواقع اليومي وطالما اعتبرها مجرّد تبرئة ذمة مثقلة بالعجز...

أمر ثان يشدّ انتباهه: إنه الصمت المطبق الذي يخيم على المكان عدا وشوشات خافتة سرعان ما تتلاشى في ذلك الصمت الثقيل. وهو أمر يختلف عمّا ألفه لسنوات طوال أدمن خلالها قطار الضاحية للتنقل سواء تعلّق الامر بالعمل أو بقضاء شؤونه الخاصة...

لا شيء من كل ما عَهِدَهُ... إلا الاكتظاظ والأصوات المنغّمة لباعة "الكاكي" وجامعي التبرّعات لبناء المساجد وهم يذرعون العربات جيئة وذهابا...

الوجوه تشي بالإنهاك والنظرات حزينة والصمت مطبق والكل يشيح بوجهه الى الفراغ خلف النوافذ...

كل شيء يشي بحالة من القرف و"الفدّة"...

-5-

أما الإدارة التي قصدها ذلك اليوم لقضاء شأنه الخاصّ فأمرها بسيط...لا يستحق الذّكر...اعتاد كسائر أهل برّ إفريقية الفوضى العارمة والوجوه المغلقة "المكشبرة" والهيئة التي لا تشي بالمرّة بأنك في حضرة موظف عمومي والإجابات التي تشقى وأنت تبحث لها عن معنى ...

وحتى الزيارة التي أداها إلى مكتبتين كان في زمن ما حريفا قارا لهما أورثته حزنا بالغا... هناك بين رفوف الكتب داس على رغبته في اقتناء عنوانين حول "نظام التفاهة" وحول "الديمقراطية والشعبوية" واكتفى بتصفّحهما...كان ثمنهما مجتمعين يناهز نصف أجرة عامل يومي لشهر كامل... يترحّم في سرّه على من اخترع "البيدفة" (PDF) وعلى كل من اجتهد في بعث مكتبات رقمية مجانية على الشبكة العنكبوتية...أن تطّلع على كتاب بعد صدوره بسنوات خير من ان لا تطلع عليه أبدا...لذلك تجد بين ساكنة إفريقية وبين الفكر العالمي فجوة حقيقية تضاف الى سائر الفجوات... فتراهم يخوضون – باندفاع الجاهل أو بثقة "العارف المستجدّ"- في قضايا تجاوزها الزمن وحسم أمرها منذ سنوات أو منذ عقود...ذلك هو التجسيد الحقيقي للهامشية والعيش على هامش العصر...

-6-

يفتح التليفزيون عند المساء فيقتحم عالمه المحترفون من ذوي "البريستيج"... "الحاصدون فوق أيديهم"...

إنهم يملكون من الصفاقة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، سواء من نطق منهم بالحقائق السماوية أو الوضعية، وسواء من خلط منهم لغته بمفردات أعجمية تأكيدا "لحداثته" أو من نطق من خيشومه وبالغ في "الغنّة" تأكيد "لأصالته". وفي الحالتين الوجوه طريّة والشعر صقيل لمّاع حسن التصفيف والملابس أنيقة والحركات مدروسة تَشي "بفيانة" عالية... وينطلق حديث فاجر عن الدستور ومقتضيات الدستور وعن مشاكل الحرية والديمقراطية والانتقال الديمقراطي وعن الوطن والمواطنة في الوقت الذي يغرق فيه البلد في غياهب التخلّف والفاقة والعجز والمذلّة...

حديث فاجر فعلا لأنه لا يحفظ سيادة ولا يشغّل عاطلا ولا يعالج مريضا ولا يشبع جائعا ولا يعيل محتاجا..."حديث غايب شطرو" كما يقول أهلنا البسطاء في ريفنا البعيد...

يستحضر مثلا شعبيا قبيحا ولكنه غني بالدلالات: " عريان (الكذا) وفي صبعو خاتم..."

كما يستحضر جدل سكان القسطنطينية في منتصف القرن الخامس عشر وهم يبحثون في جنس الملائكة وحجم إبليس في الوقت الذي كانت فيه مدافع محمد الفاتح العثماني تدك أسوار مدينتهم...

ما كان سبّابا أو شتّاما أو لعّانا ولكن تتملّكه رغبة عارمة في السب والشتيمة واللعن كلما أطلّ واحد من هؤلاء...

يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ...

ليس أصعب من أن تظلّ أنت في زمن الكذب والقباحة والوقاحة والصفاقة و"صُحّة الرّقعة" و"قلة الخير"...

-7-

بلد أسير للفخاخ التي نصبها "الحاصدون فوق أيديهم" بهمة عالية طيلة سنوات ووقعوا بدورهم في أسرها، فخ المنظومة السياسية الخرقاء، فخ الدستور المعطل للشأن العام وفخّ الديمقراطية التمثيلية الجوفاء الكاذبة وفخاخ التوافقات والتحالفات والتموقع السياسي...وفخاخ حكايات الحاضرة التي لا تنتهي... دوران مستمر في حلقة مفرغة، دوران فارغ في حلقة فارغة يأتيه قوم فُرّغ...

بلد مختطف بأتمّ معنى الكلمة في حاضره وفي مستقبله.

إنها قصة " المنجل والقلة"... ويبدو أن لا مناص من كسر "القلة" حتى تستقيم الأمور...

وتستمرّ الحياة ... أو ما يشبه الحياة...

------------

تونس

8 مارس 2021

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article