Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
TUNISIE XXI over-blog.com

Histoire moderne et contemporaine, Education, Pédagogie, Actualités politiques et socio-économiques, développement régional et Territorial,témoignage...

نظرية الانتقال الديمقراطي: تحرّر أم "احتواء"؟

 

مدخل

عشر سنوات والتونسيون ينامون ويصحون على مصطلح "الانتقال الديمقراطي".

عشر سنوات وهذا المصطلح يقدّم على أنه مفتاح الولوج الى عالم الحرية والديمقراطية والتنمية.

فما مدار اهتمام نظرية الانتقال الديمقراطي وما خصائص السياق التاريخي الذي ظهرت فيه؟

ما علاقتها بالتطورات الجيوستراتيجية والاقتصادية في العالم خلال الثلث الأخير من القرن المنصرم؟

ما العوامل المتحكمة في الانتقال الديمقراطي وما هي نماذجه وأزمنته وفقا لهذه النظرية؟

أيّ نموذج للديمقراطية تقدّم هذه النظرية؟ وأيّ نصيب للسياسي وللاقتصادي / الاجتماعي في الانتقال الذي تبشّر به؟ 

يهدف هذا النص الى التعريف بنظرية الانتقال الديمقراطي غير أنه لا يدّعي الإحاطة بكل جوانبها نظرا لما تتسم به تجارب الانتقال الديمقراطي من تنوّع وتعقيد وما تثيره بعض المفاهيم من جدل. وقصارى ما يطمح إليه هو توفير عناصر للتفكير والتدبّر وإغراء القارئ بتوسيع البحث في هذه النظرية عسى أن  يهتدي الى فهم ما يجري في تونس وفي غيرها من بلدان كثيرة عبر العالم ويَمِيزَ الحقيقة من الوهم.

1.  نظرية الانتقال الديمقراطي: سياقها التاريخي وموضوعها

1.1. السياق التاريخي لنظرية الانتقال الديمقراطي

ظهرت نظرية "الانتقال الديمقراطي" ضمن حقل العلوم السياسية في نهاية ثمانينات القرن المنصرم وبرز المصطلح تحديدا سنة 1986 (1) في سياق تاريخي يتّسم ببوادر انهيار المنظومة الاشتراكية وبتنامي العولمة وتمدّدها وتسارع نسقها في أبعادها الاقتصادية والثقافية وبروز الفكر النيوليبرالي كسبيل لتجاوز اختناقات النظام الرأسمالي.  وتأسّست هذه النظرية على قراءة التحولات السياسية في عدد من بلدان العالم ضمن "الموجة الثالثة" التي انطلقت منذ سبعينات القرن المنصرم في جنوب أوروبا وفي أمريكا اللاتينية وفي وأوروبا الوسطى والشرقية في فترة لاحقة (2). ولاقت نظرية الانتقال الديمقراطي خلال العقود الأربع الماضية انتشارا واسعا إذ صار السياسيون والحقوقيون يعتمدونها في مقاربة التحولات السياسية في الربع الأخير من القرن الماضي ومطلع هذا القرن. وقد استفادت في ذلك من انتكاسة نظرية التغيير الثوري ومن جهد أكاديمي وإعلامي ضخم ومن تطويع المنظمات الدولية الحقوقية والمالية ومنظمات المجتمع المدني للدفع في اتجاه الاسترشاد بها واعتمادها في إدارة عملية الانتقال السياسي عامّة. وتفيد محاولة بسيطة للبحث في العلاقة بين هذه التطورات السياسية والاقتصادية والفكرية التي يبدو للوهلة الأولى أن لا رابط بينها بوجود خيط ناظم يقوم على السعي إلى إرساء نظام عالمي جديد يكرّس الهيمنة المطلقة للمنظومة الليبرالية وللنظام الرأسمالي كحل نهائي لمعضلات السلطة والتنمية.

2.1. موضوع نظرية الانتقال الديمقراطي وخلفيتها الفكرية

تشتغل نظرية "الانتقال الديمقراطي" على وجهين للانتقال السياسي عامة. فهي تُعْنى بدراسة الانتقال من "نظام غير ديمقراطي إلى نظام ديمقراطي" من جهة كما تهتمّ بالتطورات التي تشهدها الممارسة الديمقراطية صلب الأنظمة الديمقراطية القائمة أو الأنظمة التي شهدت عملية انتقال ديمقراطي من جهة ثانية. وتحوّلت مع الوقت إلى علم قائم الذات هو "علم الانتقال [السياسي]" (Transitologie) تفرّع عنه مبحث "ترسيخ الديمقراطية" (Consolidologie) ويُعنى بدراسة تدعيم وترسيخ الديمقراطية في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة والبلدان التي شهدت مسار انتقال ديمقراطي (3). ودليل ترسّخ الديمقراطية واستقرارها وفق أكثر التعريفات تداولا هو تواتر التداول السلمي على السلطة بين الأحزاب والنخب عن طريق المؤسسات الديمقراطية والتشريعات المنظمة للعملية السياسية وبما يؤكّد قدرة هذه المؤسسات السياسية على الصمود في وجه الأزمات المحتملة (4). وفي مسعى لتأصيل هذه النظرية، يعتبر بعض الباحثين أنها سليلة النظريات المتعلقة ببناء الديمقراطية وترسيخها وهو مبحث يعود الى خمسينات القرن المنصرم ويذهب البعض منهم إلى البحث عن جذورها في الفكر السياسي الليبرالي للقرن التاسع عشر (5).

3.1. الديمقراطية مفهوم مركزي في الانتقال الديمقراطي

تختزل نظرية الانتقال الديمقراطي مطالب الشعوب المعنية في البعد السياسي: الحريات والتعددية السياسية والانتخاب والديمقراطية والتداول السلمي على السلطة الخ... وتمثّل الديمقراطية لهذا السبب مفهوما مركزيا في هذه النظرية ويُقصَد بها الديمقراطية في مفهومها الغربي – الليبرالي أي الديمقراطية التمثيلية. وتبيّن تجارب الانتقال الديمقراطي غلبة المفهوم "الإجرائي" للديمقراطية. و "الديمقراطية الإجرائية" هي   "ذلك الترتيب المؤسساتي الذي غايته الوصول الى قرارات سياسية يكتسب فيه الفرد القوة على القرار بواسطة وسائل الصراع التنافسي على صوت الشعب" (6)، " وهي لا تعني فعليا أن الشعب هو الذي يحكم، الديمقراطية تعني، وتعني فقط، أن أفراد الشعب لديهم فرصة للقبول بالأشخاص الذين سيحكمونهم أو لرفضهم" (7). وأهمّ معايير الديمقراطية وفق هذا التعريف هي " نظام سياسي يتميز بانتخابات حرة ومفتوحة، وعتبات منخفضة نسبيا بما ييسر المشاركة الواسعة في الانتخابات وتنافس سياسي حقيقي وحماية جادة للحريات المدنية" (8). وهي بذلك تفتقر الى المضمون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتختزل المواطنة في التمتع بالحريات المدنية وفي مجرّد "طقوس" يُدعى المواطن الى ممارستها بصفة دورية أهمّها الانتخاب.  

2. عوامل الانتقال الديمقراطي، نماذجه وأزمنته

1.2. عوامل الانتقال الديمقراطي

 يرتبط الانتقال الديمقراطي في انطلاقه وفي المسارات التي يتخذها بعوامل داخلية وأخرى خارجية. ومن العوامل الداخلية ما هو اقتصادي على اعتبار أن الرفاه الاقتصادي يخلق الحاجة الى الديمقراطية وييسّر إرساءها (المشروطية الاقتصادية). ومنها ما هو تاريخي/ اجتماعي / ثقافي يتعلّق بمستوى التعليم وبدرجة ترسّخ ثقافة الحوار والسلوك المدني والايمان بالحريات الفردية والعامة. وفي هذا الإطار، يعدّ وجود مجتمع مدني قوي ومؤثرعاملا مساعدا على الانتقال الديمقراطي . ومنها يما يرتبط بوجود نخبة سياسية قادرة على التوافق حول المشترك الوطني وتجاوز الانتماءات الفرعية المعطّلة لعملية الانتقال السياسي عامة. ومنها ما يتعلّق بالبنية الاجتماعية وتحديدا وجود طبقة وسطى عريضة تُعْتَبَر عنصرا مهما في إنضاج الانتقال الديمقراطي وفي ترسيخ الديمقراطية واستمرارها. ومنها أخيرا إرث الماضي في بعديه السياسي والاقتصادي ذلك أن وجود بنية اقتصادية متينة وإرث مؤسساتي ييسّران عملية الانتقال الديمقراطي (بلدان أوروبا الوسطى والشرقية والاتحاد السوفياتي نموذجا). كما تتحكّم في هذا المسار وبدرجات متفاوتة عوامل خارجية هي الأطراف الإقليمية والدولية والمنظمات الأممية والهيئات والمنظمات الدولية غير الحكومية والمؤسسات الدولية المقرضة والمانحة فضلا عن طبيعة العلاقات الخارجية للبلد المعني بالانتقال الديمقراطي. ومقابل هذا الفصل بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية، يرى البعض اعتماد مقاربة متعددة الابعاد تدمج كل هذه العوامل وتأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل عملية انتقال ديمقراطي (9).

2.2. نماذج الانتقال الديمقراطي

تتباين نماذج الانتقال الديمقراطي التي تم استخلاصها من التجارب المختلفة في علاقة بالمعيار الذي يتمّ اعتماده في التصنيف. فاستنادا على معيار آلية الاشتغال على الانتقال الديمقراطي يتمّ الحديث عن "الانتقال عبر الحوار" بين ممثلي المنظومة القديمة ومعارضيها و "الانتقال عبر صفقة/ نموذج التنازل" بين الأطراف المتقابلة على الساحة السياسية Transaction ويتمثل في تنازل ممثلي المنظومة القديمة عن السلطة مقابل ضمانات و"الانتقال عبر توافق النخب". أما في حالة اعتماد معيار الآلية التي تدفع في اتجاه الانتقال الديمقراطي فإنه يتم التمييز بين نموذج الانتقال من الأسفل ويتم غالبا عبر التحرك الاجتماعي ونموذج الانتقال من الأعلى وهو الانتقال الذي يديره الجناح المعتدل صلب المنظومة غير الديمقراطية أو نموذج " التنازلات الممنوحة" ونموذج الانتقال الناتج عن تدخل قوى أجنبية (تدخّل عسكري مباشر/ عقوبات مالية واقتصادية صارمة / حصار اقتصادي....) (10). والحقيقة أن محاولة حصر عمليات الانتقال الديمقراطي في نماذج محدّدة تصطدم بما تتسم به هذه العمليات من تنوّع في انطلاقها وفي المسارات التي تتخذها وفي القوى المحركة لها أو القائمة عليها ويتحوّل الإصرار على النمذجة أحيانا كثيرة إلى قفز على خصوصيات الواقع في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية/التاريخية. ويقدّم هنتينغتون عرضا ضافيا ودقيقا حول نماذج الانتقال الديمقراطي يكشف عمّا يتسم به هذا المسار من تنوّع وما يكتنفه من تعقيد في تحليل ما يطلق عليه "الموجة الثالثة" من الانتقال الديمقراطي معتمدا أمثلة دقيقة ومتنوّعة (11).

3.2. أزمنة الانتقال الديمقراطي وأهمية التوافق في المرحلة الانتقالية

ينتظم الانتقال الديمقراطي غالبا في أزمنة ثلاث: زمن "إزالة النظام الشمولي" وزمن “إقامة النظام الديمقراطي" وزمن "ترسيخ دعائم النظام الديمقراطي" (12). ولئن كان مضمون كل مرحلة من هذه المراحل واضحا، فإنّ هذا التزمين يطرح مشاكل تتعلق خاصة بنهاية كل مرحلة باعتبار أن "الانتقال الديمقراطي" هو مسار لا يتخذ اتجاها خطيا بل تتخلله انتكاسات وتراجعات وأحيانا ارتدادات الى منظومات غير ديمقراطية. ويُعدّ “التوافق" (Consensus) مفهوما مركزيا إذ يشكل الآلية الرئيسية لتجاوز حالات الانسداد السياسي التي تتواتر في أزمنة الانتقال الديمقراطي الثلاثة وبشكل خاص في الزمنين الثاني والثالث لكونهما مفتوحان على تفجر الصراعات الأيديولوجية والسياسية التي كانت "مجمّدة" في فترة الصراع مع المنظومة غير الديمقراطية. ويُعرّف التوافق على أنه إجماع مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على الأولويات الوطنية الكفيلة بتيسير بناء المنظومة الديمقراطية وآليات تركيزها ثمّ ترسيخها. فهو حينئذ توافق حول قضايا سياسية وطنية جوهرية وحول اختيارات منهجية وعملية لإنجاز الانتقال الديمقراطي تتجاوز المصالح الحزبية والفئوية الضيقة وغالبا ما يكون تتويجا لحوار عميق بين هؤلاء الفاعلين. وهو بهذا المعنى يختلف تماما عما يعقد من تفاهمات ظرفية في الغرف المغلقة بين هؤلاء الفاعلين السياسيين كلهم أو بعضهم، والتي هي أقرب ما يكون الى "الصفقات" التي تخلو من كل مضمون سياسي ذا بعد وطني جامع وتقدم المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية. وغالبا ما تفضي هذه التفاهمات الى المحاصصة الحزبية التي تُعدّ واحدا من أسباب انتكاسة الانتقال الديمقراطي.

3. ملاحظات نقدية 

يفضي التوقف المتبصّر عند نظرية الانتقال الديمقراطي إلى جملة من الملاحظات التي تؤكّد  حدودها.

1.3. نظرية تخدم هيمنة المنظومة الرأسمالية والنموذج الليبرالي للحكم

 تندرج نظرية الانتقال الديمقراطي ضمن جهد تنظيري واسع يستهدف إعادة انتاج المنظومة الرأسمالية وتعزيز هيمنتها على المستوى العالمي. وتبدو العلاقة وثيقة بينها وبين جملة من المفاهيم والمصطلحات مثل العولمة، التبادل الحرّ، تحرير الاقتصاد، الخوصصة، الديمقراطية التمثيلية، الأقلمة، اللامركزية، الحكم المحلي، دولة الرعاية النشيطة، الحوكمة، المجتمع المدني، نهاية التاريخ... فقد طفت كل هذه المفاهيم على سطح الفكر السياسي والاقتصادي منذ سبعينات القرن المنصرم وبالتوازي مع تغييرات جيواستراتيجية كبرى أهمّها انهيار المنظومة الاشتراكية بما أكّد نهاية القطبية الثنائية وثبّت الولايات المتحدة كقطب أوحد في العالم. وتؤكّد مراجعة بسيطة لتاريخ ظهور هذه المفاهيم وللسياقات التي ظهرت فيها ولمضامينها والبحث في الصلات بينها أنها تندرج كلّها ضمن منظومة فكرية تستهدف تأكيد سيادة الديمقراطية الليبرالية باعتبارها الحل النهائي للمسألة السياسية (13) من جهة وحتمية اعتماد النموذج الرأسمالي في صيغته النيوليبرالية (الانخراط في العولمة، الخوصصة، التخلي عن الدور التعديلي للدولة، الخ...) باعتباره الحلّ للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية من جهة ثانية. فنظرية الانتقال الديمقراطي هي - من هذه الزاوية - على النقيض تماما من نظرية التغيير الثوري بل وتقدّم نفسها بديلا عنها مستندة في ذلك الى انهيار المنظومة الاشتراكية في تسعينات القرن المنصرم.

2.3. نظرية تصدر عن "المركزية الغربية" وتجسّدها

يمثّل السعي الى إخضاع الانتقال السياسي إلى رؤية واحدة وهي الرؤية الليبرالية الغربية وتعميمها أحد نقاط ضعف هذه النظرية. فالتعميم، سواء تعلق الأمر بنماذج الانتقال أو بأزمنته أو بعوامله، يكشف عن رغبة في إنكار تباين البيئات الحاضنة لتجارب الانتقال السياسي في المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. ويستهدف هذا المسعى فرض رؤية أحادية سواء تعلق الأمر بالشأن السياسي أو بالشأن الاقتصادي تقوم على استبعاد التحوّلات الجذرية المعادية للرأسمالية. وليس أدل على فشل التعميم من الانتكاسات التي شهدتها عمليات الانتقال السياسي في عدد من الأقطار رغم كل الدعم المادي والبشري للمسارات الديمقراطية التي شهدتها. كما أنّ تقديم النموذج الغربي (الديمقراطية التمثيلية واقتصاد السوق) كأفق وحيد للانتقال السياسي تحت مسمى "الانتقال الديمقراطي" بصرف النظر عن الشخصية التاريخية والثقافية للشعوب المعنية بهذا الانتقال وواقعها الاقتصادي والحيثيات الحافة بعملية الانتقال يحيل على "المركزية الغربية" التي “لم تقف عند حدود تقديم رؤية للعالم بل تقدمت بمشروع سياسي على صعيد العالم هو مشروع تجانس الإنسانية المستقبلي من خلال تعميم النموذج الغربي" (14) وفي ذلك إنكار للهويات المغايرة. وفي سياق نقد هذه الرؤية، يتساءل آلان تورين:" كيف يجوز لنا أن نتكلّم على ديمقراطية إذا كنا نرى أن على قسم كبير من العالم أن يتنكّر لثقافته وهويته لينضم الى ركن التقدم الأوحد؟ وهل هناك جحود بالحرية الديمقراطية أسوأ من إدانة أكثرية البشر والحكم عليهم بأنهم عاجزون عن أن يكونوا صانعين لتاريخهم؟"(15).

3.3. نظرية تُعلي- عمليّا- الديمقراطية التمثيلية في صيغتها الإجرائية الشكلية

تعتبر الديمقراطية التمثيلية أكثر صيغ الديمقراطية اعتمادا في تجارب الانتقال الديمقراطي. وعلاوة عن الأزمة التي تعيشها الديمقراطية التمثيلية حتى في أعرق الديمقراطيات، فإن من أهمّ المآخذ عليها تغليبها للجوانب الإجرائية في بناء الديمقراطية وفي ممارستها ما يجعل منها "ديمقراطية شكلية ". ورغم التسليم بأن الجوانب الإجرائية "ضرورية بل لا غنى عنها لوجود الديمقراطية" (16)، فإن اختزال الديمقراطية في مجرّد "قواعد إجرائية" شكلية في إطار مؤسسات ديمقراطية شكلية، وهو ما تثبته تجارب الانتقال الديمقراطي، يفرغها من مضامينها المواطنية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل منها "ديمقراطية تحررية" (17) بحيث " لا نستطيع الكلام على ديمقراطية ما إذا كان الناخبون لا يملكون الاّ الاختيار بين جناحين من أجنحة الأوليغارشية أو الجيش أو جهاز الدولة" (18). وغالبا ما تفضي هذه الممارسة الى ارتدادات عنيفة الى مربع التسلّط بعد أن تكون قد أثارت نفور الناخبين من الانتخابات ومن العملية السياسية خصوصا إذا ما لازمها فشل اقتصادي واجتماعي، يشهد على ذلك مثلا ضعف الاقبال على الانتخابات وتزوير إرادة الناخبين بفعل الفساد السياسي عبر المال السياسي والإعلام الموجه وتأثير مراكز القوى الاقتصادية والجهوية والمناطقية والمهنية فتتحوّل الديمقراطية الى مجرّد محاصصة حزبية.

خاتمة

توفّر نظرية الانتقال الديمقراطي إطارا نظريا لعملية الانتقال السياسي خلال العقود الأربعة الأخيرة ويتمّ تقديمها ولو بصفة غير مباشرة كبديل للتغيير السياسي الثوري. ويمكن اعتبارها بمثابة الرافد السياسي للعولمة الاقتصادية. فالمتوقّع أن يفضي "التجانس السياسي" الذي تسعى إليه نظرية الانتقال الديمقراطي عبر العالم إلى تعزيز "التجانس" الاقتصادي الذي تسعى اليه "العولمة". وكأنما يُرادُ للبشرية أن تسير في خطين متلازمين  نحو المستقبل: خط سير سياسي عنوانه الديمقراطية الليبرالية كحل نهائي للمسألة السياسية وخط سير اقتصادي عنوانه عولمة الاقتصاد وفقا للمنظور الرأسمالي كحل نهائي للمسألة الاقتصادية. وعلى الرغم مما تحظى به هذه النظرية من جاذبية في الأوساط السياسية والحقوقية وما تلقاه من دعم  وإسناد من قبل أوساط أكاديمية ومن قبل القوى الغربية والمنظمات والهيئات الدولية فإنّها أصبحت محل نقد لا فقط من خارج المنظومة الفكرية التي أنتجتها بل وكذلك من داخل هذه المنظومة انطلاقا من الانتكاسات التي شهدتها بعض تجارب الانتقال الديمقراطي. ويتركّز النقد الموجه اليها من خارج منظومتها الفكرية على اعتبارها التفافا على الصراع الطبقي واستحقاقاته في البلد الواحد من جهة وعلى الصراع بين المركز المُهيْمِن والأطراف الخاضعة لهذه الهيمنة على الصعيد العالمي من جهة ثانية. كما يتركّز على إنكارها للخصوصيات التاريخية /الثقافية للشعوب ولعناصر هويتها من جهة أخرى. أما النقد الموجّه اليها من داخل المنظومة الفكرية التي أنتجتها فينصبّ على جملة من المفاهيم المركزية مثل نماذج الانتقال الديمقراطي وأزمنته ومفهوم الديمقراطية وعلاقة الانتقال الديمقراطي بالتنمية وعلاقته بالخلفية التاريخية والثقافية للشعوب المعنية. ويبدو أن هذا النقد الداخلي يهدف الى تطوير هذه النظرية بما يضمن لها أوفر حظوظ النجاح عند التطبيق ويجعل منها بديلا مقنعا ومغريا لشعوب العالم المتطلعة الى الحرية والديمقراطية والتنمية.

تبدو نظرية الانتقال الديمقراطي - منظورا اليها من زاوية تاريخية - الوريث الحقيقي لنظرية ترومان المسمّاة "سياسة الاحتواء" (Containment) التي انتهجتها الولايات المتحدة الامريكية سنة 1947 ووجهها المعاصر. وإذا كانت نظرية ترومان تهدف إلى احتواء المدّ الشيوعي آنذاك عبر دعم أنظمة الحكم الليبرالية والاقتصاد الحرّ، فأن نظرية الانتقال الديمقراطي تشتغل اليوم على نفس الهدف رغم اختلاف السياقات. فهي تستغل التطلعات المشروعة للشعوب الى الحرية والديمقراطية والتنمية وتعمل على التحكم في مالاتها وعلى توجيهها بما يخدم هيمنة المنظومة الرأسمالية ونموذج الحكم الليبرالي على المستوى العالمي.

----------------

تونس

جانفي 2021

---------------

الهوامش

(1) Renée Fregosi, La Transition Démocratique                            

http://scholar.google.com/scholar_url?url=https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00653654/document&hl=fr&sa=X&ei=wkvqX761LM7CmAHygrzICw&scisig=AAGBfm3pFxfKYqhuhk1bzwGhZVDMSPZt9A&nossl=1&oi=scholarr

(2) هنتنغتون، صامويل، الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين. ترجمة د. عبد الوهاب علوب، دار سعاد الصباح للنشر، 1993. ص 72-86.

(3)    Nicolas Guilhot, Philippe C. Schmitter, De la Transition à la Consolidation, une  lecture rétrospective des democratization studies.                    

https://www.persee.fr/doc/rfsp_0035-2950_2000_num_50_4_395500

(4)   Raluca Grosescu, Une analyse critique de la Transitologie:                                      

Valeurs heuristiques, limites d'interprétation et difficultés méthodologiques, 2012.

https://www.ssoar.info/ssoar/bitstream/handle/document/44614/ssoar-studiapolitica-2012-3-grosescu-Une_analyse_critique_de_la.pdf?sequence=1&isAllowed=y&lnkname=ssoar-studiapolitica-2012-3-grosescu-Une_analyse_critique_de_la.pdf

(5)   Nicolas Guilhot, Philippe C. Schmitter, De la Transition à la Consolidation      

ذكر سابقا.

(6) شومبيتر، جوزيف ألويس، "الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية"، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، نشر المنظمة العربية للترجمة، بيروت مارس 2011. ص. 514.

(7) المصدر السابق، ص. 538.

 (8) Raluca Grosescu, Une analyse critique de la Transitologie ذكر سابقا،          

(9)   المصدر السابق

(10) Bichara Khader, Le Printemps arabe à l’épreuve de la transition                      

La Tunisie confrontée à d’autres expériences historiques

http://www.fundacionacm.org/wp-content/uploads/2017/01/Le-Printemps-arabe-%C3%A0-l%E2%80%99%C3%A9pr

(11) هنتنغتون، ص. الموجة الثالثة ...، انطلاقا من ص 91.

(12) هنتنغتون، ص. الموجة الثالثة...، ص 68.

(13) فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والانسان الأخير، الاشراف والمراجعة والتقديم: مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت 1993.

كتب الأستاذ مطاع صفدي واصفا المؤَلَّف في المقدمة:"...هو وثيقة أو بيان أوّل تعلنه الليبرالية وهي تجدّد نفسها وتزمع استئناف مشروعها وحيدة هذه المرّة لا ينازعها أي جبار آخر أيديولوجي أو عسكري سياسي أو معارضة قادرة". ص.5.

أنظر أيضا نقد د. عبد الله إبراهيم لنظرية "نهاية التاريخ" في كتابه " المركزية الغربية: إشكالية التكون والتمركز حول الذات"، نشر المركز الثقافي العربي، 1977، ص44-47.

(14) د. عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية، إشكالية التكوّن والتمركز حول الذات. نشر المركز الثقافي  العربي، 1997، ص.33.

(15) آلان تورين، "ما هي الديمقراطية؟ حكم الأغلبية أم ضمانات الأقلية"، ترجمة حسن قبيسي، دار الساقي للنشر، الطبعة الثالثة، 2016. ص 220. 

 (16) المصدر السابق، ص. 16.

(17) المصدر السابق، ص 17. "لم نعد نريد ديمقراطية تشاركية، لم يعد بوسعنا أن نكتفي بديمقراطية تشاورية، إننا بحاجة لديمقراطية تحررية". ويعرّف في الصفحة 19 "الديمقراطية التحررية" بأنها "العمل الديمقراطي الذي غايته تحرير الأفراد والجماعات من الأعباء التي تثقل كواهلهم".  

(18) المصدر السابق، ص. 13.

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article