Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
TUNISIE XXI over-blog.com

Histoire moderne et contemporaine, Education, Pédagogie, Actualités politiques et socio-économiques, développement régional et Territorial,témoignage...

وباء 1867 في الايالة التونسية

 

شهدت الايالة التونسية وباء مدمّرا بلغ ذروته سنة 1867 هو وباء حمّى العفن وقد أتى على ما بين نصف سكان البلاد والثلثين منهم من مجموع سكان قدره المؤرخ جان قانياج بقرابة مليون ومائة ألف نسمة دون اعتبار الأجانب الذين كان عددهم محدودا للغاية (1). و امتد هذا الوباء مجاليا على كامل البلاد بمدنها وبواديها وكانت آثاره أكثر سوءا في المناطق الغربية.

وقد ارتبط هذا الوباء وتبعاته الكارثية بعاملين اثنين تلازما في تلك الفترة:

- إخماد انتفاضة 1864 المعروفة باسم قائدها علي بن غذاهم المساهلي من قبل سلطات محمد الصادق باي وبقيادة مباشرة من المملوك مصطفى خزندار الوزير الأكبر. وقد امتدت هذه العمليات على سنوات 1864 وما تلاها وكان عنوانها الرئيسي استخلاص المجبى والمغارم المترتبة عن رفض دفعها منذ سنة 1864 وآلت الى استصفاء ما تبقى لدى السكان من ممتلكات. وقد أطلق الباي أثناء هذه العملية يد أعوانه بلا رحمة ولا شفقة في كل مناطق البلاد ولعل أكثر الوقائع التي ظلت عالقة بالذاكرة الشعبية ما جرى من سلب واعتداءات في باجة بقيادة إسماعيل صاحب الطابع (2) وفي جهة الساحل بقيادة أحمد زروق (3).

- تلاحق سنوات من الجفاف والقحط 1865- 1866 و1867 زادها حدة انتشار الجراد، فأتت على النزر المتبقي من الثروة لدى السكان في ظل اقتصاد معاشي ضعيف وتَعطّلَ الإنتاج بشكل شبه تام.

وكانت النتيجة المباشرة انتشار المجاعة والأمراض وتفشي الوباء . وقد تُرك الناس لأقدارهم ولم تجد السلطة القائمة آنذاك من حلّ لمعالجة وضعهم سوى عزلهم في معاصر الزيتون أو إبعادهم إلى ما بقي قائما من أبنية ضاحية المحمدية التي تبعد  عن الحاضرة بعشرين كيلومترا.

ويقدّم احمد بن أبي الضياف شهادة مُحزنة لما آل إليه حال السكان في ظل تفشي الوباء في ما يلي نصّها:

"... وفي هذا الشهر من هذه السنة 1284 (1867) الشهباء، أفعمت السيول من كل جهة بالعربان على اختلاف قبائلهم الذين بيعت عليهم في المغارم أقواتهم وأنعامهم، حتى خيام مساكنهم والتصقوا بالتراب تحت أديم السماء مع حمر الحواصل من ذراريهم. وغصت بهم شوارع الحاضرة، ولم تغنهم الصدقات من أهلها، لفقرها. وتفرقوا على المزابل، يلتقطون منها الحشيش. وتكدر عيش السكان من سؤالهم على الأبواب، وحنت عليهم قلوب الوافدين من النصارى وأكثروا من الصدقة عليهم. ولمــا هجم البرد، وهم وصغارهم حفاة عراة، مبيتهم شوارع الحاضرة الملوثة بفضلاتهم فشا فيهم الموت بالطرقات. ففي كل صباح ترى النعوش غادية رائحة بالموتى إلى المارستان. وصار عدد من يمــــــوت منهم في اليوم زهاء مائة.... وتعفنت البلاد بكثرة أنفاسهم وفضلاتهم، ومرضاهم بالأزقة، والأطباء يحذرون من ذلك، وينذرون بوقوع مرض، وقد وقع، وهو حمى العفن التي لم تزل إلى سنة خمس وثمانين (1868) .... وأمر الباي بجعل هؤلاء المساكين الحفاة العراة في معاصر الزيتون لفراغها، يقيهم سقفها من البرد...فكثرت فيهم الموتى من ظلمتها ونتنها وكثرة أنفاسهم بها واختلاط المرضى مع الأصحاء.... ولما تفاقم الحال وكثرت الموتى في الحاضرة بحمى العفن التي أنكت في الحاضرة مثل الكوليرة، ظهر للباي ...أن يوجه هؤلاء المساكين إلى ما بقي من أبنية المحمدية، فساقتهم إليها عصا الضبطية ومات منهم في الطريق من مات، وبقيت أجسامهم المكرمة طعمة للوحوش والطيور.... ولا تَحْسَبنّ الموت في الحاضرة فقط، بل هو في بلدانها وقبائل عُربانها لا سيما في الجهة الغربية أشد وأكثر. وعند العقلاء من الناس أن هذه الإيالة مات النّصف من أهلها في هذه السنة. وقال لي بعض عقلاء العرب من أهل الخبرة" مات الثلثان وبقي الثلث"... حتى عجزوا عن الحفر لمواراة الموتى فصاروا يجعلونهم في مطامير خزن الحبوب لفراغها، دون ما تأكله الوحش والكلاب." (4)

تونس 10 أفريل 2020

----------------

 (1) Jean Ganiage, La population de la Tunisie vers 1860. Essai d'évaluation d'après les registres fiscaux.

https://www.persee.fr/doc/pop_0032-4663_1966_num_21_5_13406

  (2) أحمد بن أبي الضياف، الاتحاف، الجزء 6، الدار التونسية للنشر 1990، ص 61.

وهكذا يصف صاحب الاتحاف سلوك قائد المحلة اسماعيل صاحب الطابع في استخلاص المجبى والمغارم في جهة باجة:

 "فاستغَرّ سائر من يُظنّ به شيء من الثروة ، يبعث للواحد ويأتي به موثوقا ويسجنه مغلولا في السلسلة ولا يدري المسكين ما ذنبه، ثم يبعث له من خواصه من يقول له  " عليك كذا من المال" ويرسي الأمر على عدد كسبه ويخرج من السجن كيوم ولدته أمه لمقاساة الفاقة، وهكذا إلى أن اكتسح تلك الجهة."

(3) المصدر السابق، ص 59.

أثار سلوك الجنرال زروق في منطقة الساحل حفيظة الملحق العسكـري الفرنسي الذي كتب الى القنصل الفرنسي دي بوفال واصفا ما حلّ بأهل المنستير:

" إن واجبي يفرض علي أن أحيطكم علما بالغطرسة المنافية لكل مبادئ الانسانية التي يستعملها الجنرال زروق في تطبيق الأوامر الصادرة له من الباي. فهو يعمد لتجريد الأهالي مما يملكون وللتنكيل بالشيوخ وبالعجز وبالنساء....ويغتصب منهم الخطايا التي يفرضها عليهم بعد أن يدخلهم لغيابات السجون ويضع في أرجلهم الأغلال ويرهق أجسادهم بضرب العصي.... ومن جملة وسائل الشدة التي يستعملها يجدر بي أن أشير لمصادرة المكاسب والتعذيب الذي يصل حد الموت أو السقوط البدني وانتهاك حرمة المنازل... وأخيرا الاعتداء على عفاف النساء بمرأى ومسمع من آبائهن أو أزواجهن المصفدين في الأغلال". 

(4) المصدر السابق، ص 120-121 .

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article